المشاهير

تنفرد مجلة «اقرأ» بحوارمع رائدة الإذاعة السعودية صباح الدباغ

صباح الدباغ.. مسيرة رائدة العمل الإذاعي
بقلم: فاطمة آل عمرو
قبل 5 سنوات، وأيضًا قبل وقت قصير من وفاتها؛ أجريت الحوار الأول والأخير مع الرائدة الإذاعية السعودية صباح الدباغ؛ لم أكن أعرف أنها الكلمات الأخيرة التي ستودع بها مهنة المتاعب، والركض وراء الأحداث طوال 25 عامًا، لتمنحني البوح الذي بداخلها، كانت أمامي أثناء الحوار تعتصر ألما من المرض، وألماً آخر أشد قسوة من تجاهل سنوات الخبرة والقامات الإعلامية الرفيعة.
هاتفتني قبل الموعد بيوم قائلة:” أريد أن أتحدث “، وكأنها بتلك الكلمات تودع محبيها ومستمعيها، فطلبت أن يكون الحوار في مقهى ثقافي، لم تتأخر على موعدها، وجدتها تلقائية وصريحة لا تعرف المجاملة، وبعد انتهاء الحوار قالت: ” كنت أجري حوارات مع أبرز الشخصيات ومع العامة، ولم يُجرى أحدًا معي حوارًا خاصًا، وأنا سعيدة لأني سأترك للمتلقي معلوماتي”.
أول فتاة سعوِدية تحصل على دبلوم في الإعلام
لمحة تاريخية
تربعت الإعلامية صباح الدباغ على عرش الإذاعة لسنواتٍ طويلة، وتُعتبر قامة إعلامية حظيت بشعبية كبيرة خلال مشوارها الحافل بالعطاء، وتميزت بأدائها الفريد وتلقائيتها التي تُضفي على المستمع روحًا إبداعية وجوًا خاصًا، عبر أسلوب بسيط وعميق في الوقت ذاته بعيد عن الابتذال، لتترك للمستمع صورتها القديمة، التي كان يترقبها وينتظر موعد برامجها.
بداياتها الفعلية
بدأت الدباغ مسيرتها بكتابة المقالات الاجتماعية في صحيفة الندوة، والتي تعتبرها نقطة انطلاقتها الحقيقية، إلا أنها لم تستطع أن تكمل تعليمها في الصحافة استجابةً لرغبة والدها، فحصلت على شهادة البكالوريوس في علم الاجتماع من جامعة القاهرة عام 1972، ثم انتقلت إلى أمريكا فدرست الماجستير في التعليم، إلا أن طموح العمل الإعلامي كان يراودها بين الحين والفنية.
المعروف عن الراحلة أنها كانت تستثمر الفرص المتاحة، أتمت دراستها وحصلت وقتها على لقب أول فتاة سعودية تحصل على دبلوم في الإعلام، تخصص إذاعة وتلفزيون في عام 1975، ولم تنسى أساتذتها والداعمين لها في المجال منهم بابا شارو وسعد لبيب وحمدي قنديل والإذاعية المعروفة تماضر توفيق، وشاركت في تغطية حرب أكتوبرعام 1973، وقدمت خلالها نشرات الأخبار عندما كانت طالبة في قسم صحافة، وبدأت مشوارها فعليًا في عام 1983.
مشوارها الإعلامي
محطات كلها كفاح وعمل في حياة الدباغ؛ تم تعيينها في 3 رجب عام 1405هـ، وهذا التاريخ بالنسبة لها هو الحدث الأبرز في مسيرتها، بدأت في برنامج ” دنيا الأسرة ” ، ثم ” سهرة رمضان ” ” أيام وذكريات ، فبدأتُ الانطلاقة الفعلية بعدة برامج منها برنامج ” على الماشي” والتقت خلالها شخصيات من واقع العمل، إضافة إلى تغطياتها الميدانية.
كان لديها رؤيتها الخاصة، ترى أن القدرة الإبداعية هي من تدفع الإعلامي للأمام، سواًء بالكتابة أو الحوار أو من خلال مواجهة الكاميرا، ولا يتم ذلك إلا بتعزيز هذا الإبداع بالدراسة والتواصل والثقافة، وأنه من الصعب أن تعمل في المجال الإعلامي دون وجود علاقات طيبة مع أفراد المجتمع .
الاخلاص في العمل
كان عمل المرأة في مجال الإعلام في تلك الحقبة نادرًا وقليلًا، وتعتبر الدباغ الإذاعة ومن فيها هم عائلتها، كانت تأمل أن تتبوأ المرأة مكانة إعلامية مرموقة، حتى التقت في برنامجها الأخير ( الجانب الآخر) رئيس التحرير هاشم عبده هاشم وقنان الغامدي، اللذان أكدا لها بأن رئاسة التحرير لها علاقة بالكفاءة والعطاء، ومن وجهة نظرها: المرأة قادرة على تولي منصب رئاسة التحرير طالما توفرت الشروط التي ذُكرت.
كانت الدباغ عاشقة للميكروفون وللأجواء الإذاعية، والعمل كان حياتها، رافعة شعار” الاخلاص في العمل”؛ هكذا وصفت نفسها، وذكرت الراحلة في حوارها بأنها تحملت ارتفاع درجة حرارتها التي وصلت لـ 49 درجة، وقررت العمل وهي في هذه الحالة حتى لا تتأخر على متابعيها، فقدمت برنامجها وأكملت الحلقة على أكمل وجه، دون أن تُشعر أحدًا بمرضها.
ماما صباح وحب الاطفال
“الطفل له حب كبير في حياتي، الأمومة لم تتحقق لي في الواقع، فحققتها من خلال برنامجي، الجميع يقول لي ماما صباح، وأعتبر نفسي غير محرومة “؛ بهذه الكلمات عبرت الراحلة عن حبها وعشها لعالم الصغار، فوجدت في الأطفال ينابيع جميلة جدًا من الحب الصادق والوفاء، الذي لم تجده في عالم الكبار، وكانت عبر برنامجها الذي خصصته للأطفال تحاورهم وتجعلهم يناقشونها في كثير من الموضوعات، وكانت تعتبر ابن أختها”ضياء” ابنها الحقيقي.
أمنية” رحلتي مع الإعلام”
تمنت الإعلامية صباح الدباغ في آخر أيامها، أن تكتب رحلتها في مجال الإعلام، في كتاب تسميه” رحلتي مع الإعلام”، إلا أن حلمها لم يتحقق، وكانت آخر كلماتها:” نحن ضيوف في هذه الحياة وننتهي.. وحياتنا محطات”، ورحلت عن عالمنا بعد صراع مع المرض امتد قرابة سنتين، وفاضت روحها الكريمة إلى بارئها يوم الجمعة 12 أبريل 2013، بعد حياة حافلة بالعطاء وبالإنجازات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *