مجلة اقرا

عبدالله الطريقي مهندس «سعودة أرامكو»

بقلم- آمال رتيب
«أوبك» تلك المنظمة النفطية العريقة بكل تفاصيلها وقوانينها٬ هي صنيعة فكر متطور سابق لعصره متخطيًا كل العقبات الفكرية والاقتصادية٬ فحق له أن يطلق عليه لقب» وزير النفط النابغة»٬ بجانب ألقاب أخرى كثيرة منها»البترولي الفقير» و»الوفي الأمين»، هو أحد مؤسسي منظمة أوبك في عام 1961 مع وزير البترول الفنزويلي بيريز ألفونسو، وأول وزير بترول في السعودية، كما أنه صاحب مقولة «نفط العرب للعرب»؛ إنه عبد الله بن حمود الطريقي المتوفى في العام 1997، أحد أعلام العالم العربي والذي مثل ظاهرة متميزة وفريدة، لا على مستوى وطنه السعودية فحسب، بل على مستوى الوطن العربي أجمع، بما حققه من سمعة وصيت في مجال صناعة النفط العربي، حيث يعد من طلائع خبراء النفط العربي، ومن أوائلهم، إن لم يكن الأول، في التخصص الدقيق في مجال النفط والحصول على شهادة عالية في هذا المجال ومن جامعة أمريكية عريقة، كما أنه الممهد الرئيسي لـ»سعودة أرامكو»، والمدافع عن حقوق المملكة لدى الشركة العملاقة، التي كانت تحت النفوذ الأجنبي، حيث سعي لاسترداد حقوق الدول المنتجة للنفط من براثن الشركات والاحتكارات الأجنبية.
رحلات وتنقلات
ولد عبدالله بن حمود الطريقي في عام 1918في مدينة الزلفى٬ وهذا العام الذي ولد فيه يطلق عليه أهل نجد عام الجدري أو عام الرحمة، والدته هي السيدة لولوة بنت أحمد العبد الكريم، تعلم مبادئ القراءة والكتابة على يد مطوع الزلفى.
أول وزير بترول سعودي ومؤسس أوبك
انتقل عبد الله إلى الكويت مع والده عام 1924، كان عمره في ذلك الوقت 6 أعوام، أكمل هناك دراسته النظامية قبل أن ينتقل إلى الهند، والتقى هناك بعبد الله المحمد الفوزان الذي كان يمثل شيخ العرب في الهند في هذا الوقت، وقتها اقترح الفوزان على عبد الله الطريقي أن يكمل دراسته في إحدى البعثات الخارجية، بالفعل ذهب إلى القاهرة لإكمال دراسته.
تخرج الطريقي من كلية العلوم جامعة القاهرة، وبعد عودته للسعودية في عام 1944 عمل سنتين في وزارة المالية، ومن ثم ابتعث للدراسة في الولايات المتحدة في تخصص النفط في مدينة أوستن بولاية تكساس، وهو أول طالب سعودي يلتحق بجامعة أتاوا، حيث أمضى 18 شهرًا في دراسة الماجستير، وقدم رسالته في «جيولوجيا المملكة العربية السعودية» وعاد للمملكة في عام 1948 ٬ بعد أن تزوج في المرة الأولى من أمريكية أنجبت له بكره (صخر).
صدمة حضارية
لم تكن الأمور على ما يرام حال عودته، إذ كان للانقطاع الطويل عن السعودية، (كان قد غادرها وعمره 6 أعوام وربما لم يزرها إلا مرات قليلة قصيرة) دور في إصابته بما يشبه الصدمة الحضارية، لا سيما وهو خريج الدراسات العليا في الجامعة الأمريكية، في وقت لم يكن فيه للجامعات وجود؛ لا في السعودية ولا دول الخليج كلها. لاحظ الطريقي أنه يعيش حياة مختلفة وبنظريات جديدة وحضارية، وكأنه « ساذج بين عقلاء « كما وصف نفسه في مقال روى فيه بمرارة، تجربته بعد عودته من البعثة.
الطفرة
حتى عودته، كانت السعودية تمر بمرحلة مهمة في التعامل مع ثروتها النفطية، حيث وقع الملك عبد العزيز آل سعود آنذاك في عام 1933 اتفاقية الامتياز للتنقيب عن البترول بين الحكومة السعودية وشركة «ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا»، التي عملت على اكتشاف وحفر أول حقل نفطي في الظهران في عام 1935 وعام 1938، وبدأت بئر الدمام بإنتاج 1585 برميلًا في اليوم. وبحلول عام 1944 تغير اسم الشركة الأمريكية الحاصلة على امتياز التنقيب والحفر إلى شركة الزيت العربية الأمريكية، والتي عرفت بعد ذلك باسم «أرامكو»، بالتزامن مع عودة الطريقي من مصر إلى السعودية.
بداية المشوار
عمل الطريقي في وزارة المالية كموظف مسؤول عن مكتب مراقبة حسابات الحكومة على الدخل النفطي من شركة أرامكو في الظهران، ومن ثم أصبح مديرًا عامًا لشؤون الزيت والمعادن، وبهذا العمل بدأ الطريقي رحلته في مجال الصناعة النفطية، حيث حاول جاهدًا أن تشارك الحكومة في كل مرحلة من مراحل إنتاج البترول وتسويقه، لا أن تتولى الشركات الأجنبية كل شيء وتبقي الحكومة خارجًا، وكان شعاره «من البئر إلى السيارة».
وزيرًا للبترول
في ديسمبر 1960 تم تعيين الطريقي وزيرًا للبترول والثروة المعدنية، كأول وزير يتولى حقيبة وزارة البترول في السعودية، وبدأت مسيرة الطريقي في الوزارة بالدفاع عن حقوق الدولة لدى شركات النفط الأجنبية، التي كانت تستغل جهل الدول النامية وقلة حيلتها وخبرتها٬ وسخّر جهده بعد توليه الوزارة لتجميع الدول المنتجة تحت قبة واحدة وتوحيد قراراها؛ للوقوف ضد هيمنة الشركات النفطية، حيث تمكن في عام 1960 من صياغة ما عُرف باتفاقية «السادة» بعد مشاورات سرية مع وزير النفط الفنزويلي، وتعتبر هذه الاتفاقية حجر الأساس في تغير القوى المحركة للنفط، وبعد مؤتمر القاهرة أصدرت الدول المصدرة قرارًا يدعو الشركات المنتجة للنفط الى عدم تغيير أسعار مبيعاتها دون التشاور مع الحكومات المعنية.
وبعد عمل الطريقي في النفط بدأت تتكشف له بعض الأمور عن «أرامكو»، حيث كانت الشركة وقت ذاك تضخ البترول من الحقول السهلة والرخيصة دون أن يكون لها سياسة طويلة الأمد لموازنة استنفاد الحقول، وعملت على إحراق الغاز الطبيعي الذي يصاحب عادةً عمليات استخراج البترول مسببّة إهداره، وقد رأى الطريقي أن هذا الغاز ثروة طبيعية ثمينة من الواجب استثمارها.
إنشاء أوبك
إحدى أبرز إنجازات الطريقي هي مشاركته الفاعلة والتأسيسية لمؤسسة مصدري النفط «أوبك»، ففي عام 1951 حضر الطريقي مؤتمرًا نظمته فنزويلا ودعت إليه رجال البترول، فبحث الطريقي مع عدد من المسؤولين موضوع توحيد وتنسيق مواقف الدول المنتجة، لكن فنزويلا لم يكن لديها الحماسة لذلك، وبعدها انعقد المؤتمر العربي الأول للنفط في القاهرة عام 1959 ودعيت فنزويلا برئاسة وزير النفط «بابلو ألفونسو» وكان سمة الاجتماع أن الجميع غاضب من القيود على النفط والحصص الأمريكية الجديدة، المطبقة من قبل شركات النفط، فقرروا تأسيس أوبك الذي سمح للدول المنتجة بالتحكم بالإنتاج والأسعار وتحدي نفوذ الشركات النفطية الكبرى، إضافة إلى التعاون في مجال استخراج النفط وتأمين وصوله إلى الأسواق العالمية بشروط عادلة.
مستشارًا بتروليًا
أمضى الطريقي في وزارة البترول والمعادن حوالي عام ونصف العام فقط٬ وفي التشكيل الوزاري الجديد لم يكن اسم الطريقي مطروحًا٬ فتوجه إلى لبنان واستقر به، وافتتح مكتبًا لتقديم الاستشارات والخبرة لوزارات وشركات النفط العربية، وأصبح مستشارًا لعدد من شركات النفط العربية وبعض الحكومات مثل لبنان وسوريا والأردن والعراق والكويت وأبوظبي واليمن ومصر وليبيا والجزائر، ومن إنجازاته المهمة خلال فترة وجوده في لبنان، المشاركة في تأسيس مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت، حيث كان عضوًا مؤسسًا في مجلس أمنائه حتى وفاته.
وفي تلك الفترة التي عاشها في بيروت تزوج من مها جنبلاط، وتنقل في عدة بلدان هي الكويت ولبنان والسعودية وتوفي في مصر في العام 1997.
من أعماله
– تأسيس كلية البترول والمعادن؛ من أجل تكوين قدرات وطنية قادرة على استيعاب تكنولوجيا النفط.
– يعتبر الطريقي المؤسس الرئيسي لمنظمة الدول المنتجة للنفط (أوبك) وفرعها العربي (أوابك).
– كان عبد الله الطريقي وحافظ وهبة أول رجلين يحملان الجنسية السعودية يعينان في مجلس إدارة أرامكو، وكان ذلك في عام 1959.
– طالب الطريقي بعدم حرق الآبار الخاصة بالغاز الطبيعي أثناء استخراج البترول، كما كان يحدث في تلك الفترة.
– استرد الطريقي نصف ميزانية الدولة، وقت أن كانت شركة ارامكو تتبع مجمع الشركات الأمريكية، وبعدها قام بإلغاء الامتيازات وزيادة حصة الدولة فيها.
– أرسى قواعد المحاصصة، وقام بالاشتراك مع الجانب الوطني في العمل البترولي وهو أحد الأسباب في تعزيز الاقتصاد السعودي.
– كتب الطريقي العديد من المؤلفات والمقالات والكتب المتنوعة، ومنها كتابه الشهير (عبد الله الطريقي الأعمال الكاملة)، وهو كتاب يشتمل على 1023 صفحة من القطع الكبير، وقد طبع طباعة فاخرة.
– كان الطريقي من أحد مؤسسي مركز دراسات الوحدة العربية.
– عندما كان في مستشارًا في دولة الكويت فإنه أقر بعدم التوقيع على تنفيق الإتاوات في الاتفاقيات الخاصة بالبترول، وهذا الأمر أدى إلى انتعاش دولة الكويت بشكل كبير، وكان سبب من أسباب ثراء الكويت.
من أقواله
– (نفط العرب للعرب).
– (كلنا نعرف أن شركات البترول ذات طابع سياسي بجانب طابعها الاقتصادي والتجاري، وأنها تُشكل حكومات في الأقطار العربية التي تعمل فيها، وتنظيماتها مرتبة ومقسمة بطريقة تجعلها وكأنها حكومات مستقلة ذات سيادة٬ وهي تتعامل مع الحكومة المحلية على قدم المساواة، ولديها من القوة الفعلية ما يجعلها تتصرف في بعض الحالات وكأنها السلطة الوحيدة في البلاد).
– (إن الفنيين العرب إذا ما عادوا من جامعات أوروبا وأمريكا – يحملون نفس الكفاءات العلمية التي يحملها زملاؤهم الأجانب- فإنهم يشعرون في بلادهم وفي أوساط الشركات النفطية الأجنبية، بأنه لا يحق لهم ما يحق للأجنبي في بلادهم، مهما علت درجاتهم العلمية. وتتحايل الشركات النفطية بشتى الطرق لإبعادهم عن ممارسة اختصاصاتهم، وممارسة التمييز العنصري بحقهم وجعلهم يشعرون في بلادهم بأنهم أقل كفاءة وأقل أهلية للثقة من زملائهم الأجانب. مما سبب لكثير من هؤلاء الفنيين خيبة أمل ودفع الكثير منهم إلى ترك العمل في مجال تخصصهم، والعمل في مكاتب الحكومة حيث يقومون بأعمال لا علاقة لها بما خصصوا أنفسهم له. وقد يضطر البعض منهم إلى الهجرة إلى الخارج وهذا يحدث كثيرًا).
استرد الطريقي نصف ميزانية الدولة من شركة ارامكو وإلغاء الامتيازات وزيادة حصة السعودية فيها
تخليدا لذكراه
له جائزة، يشرف عليها مركز دراسات الوحدة العربية، وتمنح مرة كل عامين لشخصية عربية طبيعية أو اعتبارية، تتويجًا لعمل محدد ومواقف معينة عبر فترة ممتدة من الزمن في مجال النفط والتنمية العربية، قيمة الجائزة 25 ألف دولار أمريكي، ويتم الترشيح للجائزة عن طريق المؤسسات في الأقطار العربية مثل؛ الجامعات ومراكز الدراسات والجمعيات العلمية ومنظمات العمل العربي والاتحادات والمنظمات المهنية والأهلية.