مجلة اقرا

غاب مدفع رمضان وظل دوي ذكرياته

بقلم- أميمة الفردان

مكونات الصورة: اجتماع عائلي صغير يترأسه الأب حول سفرة رمضانية تفترش الأرض، وشاشة تلفزيونية صغيرة يصدر منها صوت أحد عملاقة الإذاعة؛ ممن اعتدنا سماعهم وهم يتحدثون عن فضائل الشهر قبل ساعة من موعد الإفطار، وبث حي مباشر من أروقة المسجد الحرام، وفيما تجول الكاميرات حول الطائفين، تترقب العيون ظهور جبل المدافع وخلفه تبدو وكأنها خيال من خيالات زمن مضى قلعة أجياد، لكن يظل الكل يترقب المدفع في انتظار إطلاق طلقاته الأربع؛ ليأذن لجموع الصائمين بالإفطار.

تلك الصورة التي عاشتها أجيال آخرهم كان جيل السبعينيات، ممن تجاوزوا حاجز الـ 40 عامًا اليوم؛ ولا زال بعضهم عالق في تلك الأيام الجميلة ببراءة الشعور وبهجة الحياة البسيطة التي كان يحياها، من خلال صورة أخرى رسخت المدفع في الأذهان؛ ارتبطت بالفوازير الكرتونية مشقاص والآنسة جغرافيا، التي كانت تنطلق مع طلقات المدفع الكرتوني.

أصل القصة

ذكريات مدفع رمضان بين حقيقة القصة والأسطورة التي سكنتها واحياها كثرة التداول! ما أصل المدفع الرمضاني الذي ظل يعمل على مدار 50 عامًا؛ لمدة 30 يومًا فقط في سنة تحمل 12 شهرًا؟

تختلف الروايات في أصل مدفع رمضان؛ الذي أرجعته كثير من كتب التاريخ لزمن الخلافة العثمانية في مصر، عندما كان يتولى أمرها الأمير خوشقدم وتم اهداء مدفع له وقرر تجربته؛ وبالمصادفة تزامن وقت التجربة مع إفطار الصائمين؛ وظنوا أن تلك الطلقات إيذانا لهم بالإفطار، وتم اعتماده خلال الشهر الكريم، وتم إدراج طلقة الإمساك وقت السحور؛ ما يجعل قصة نشأة مدفع رمضان بأكملها تعود لمصر، وترجع بعض الروايات المدفع لزمن محمد علي باشا، الذي شاع في زمنه تقليد مدفع رمضان.

مدفع مكة المكرمة

جبل المدافع بمكة المكرمة؛ الجبل الذي كان يحمل مدفع رمضان خلال الشهر الكريم، بعد أن يتم إخراجه من مقره بإدارة الضبط الميداني بحراسة مشددة آنذاك؛ ليعتلي قمة الجبل المطل على حي جرول في العاصمة المقدسة، والذي اعتاد المكيون رؤيته؛ وكل السعوديين عبر شاشة التلفزيون، ليصبح جزءًا أصيلًا من العادات الرمضانية، قبل أن تتم احالته إلى التقاعد، ليغيب صوته عن أهالي البلد الحرام بشكل خاص مطلع عام 2015؛ بسبب مشروعات التطوير.

فيما ظل ذلك المدفع يعمل لفترة طويلة على تنبيه الصائمين للإفطار وايقاظهم للسحور، وتنبيههم مرة أخرى للكف عن الطعام إيذانًا للإمساك وبداية صوم يوم جديد، ولا ينتهي أمر مدفع رمضان إلا بمسك الختام؛ حينما يطلق 7 طلقات هي فرحة الصائمين بعيد الفطر بعد صلاة العيد، ليخمد بعدها على مدى 11 شهرًا، قبل أن يدخل بعدها في سباته العميق حتى كتابة هذا التقرير.