مجلة اقرا

بيئات فارقة

بقلم: السعد المنهالي

كيف يُفكر عقلك؟! سؤال غالباً ما نطرحه من دون انتظار إجابة؛ وعادة ما نقصد من ورائه إبداء حالة استنكار عندما لا يعجبنا طرح أحدهم حول موضوع ما، فنستخدم هذه العبارة كطريقة ضمنية للرفض. غير أن هناك من يشتغل بالفعل بكل جدية وإصرار حول معرفة الطريقة التي يفكر بها عقل الإنسان، وبالذات عقول أولئك ممن لهم طروحات مغايرة غير اعتيادية لما يقدمه أقرانهم. ولذلك، فإن آراء بعضهم التي تبدو غريبة وغير مقبولة للوهلة الأولى، قد تكون إبداعاً أصيلاً غير ظاهر، يحتاج لعقول نيرة في بيئة سوية تستوعب إضاءاته. وهذا ما يسمى بالبيئة الحاضنة للتمييز التي لولاها لما تحقق للمميزين أي إنجاز.

في خمسينيات القرن الماضي، أقدم عالم النفس الأميركي «لويس تورمان» على تعقب حياة ما يزيد على 1500 تلميذ من مدارس ولاية كاليفورنيا، كانوا قد خضعوا سابقاً لاختبار الذكاء (أي كيو) وحصلوا على مقاييس عالية؛ مقارناً بذلك مسيرة حياتهم (خلال 40 عاماً) بحياة غيرهم من الأطفال الذين حصلوا على درجات ذكاء أقل. وخلال تعقبه رصد نجاحات المميزين في حياتهم، فمنهم الأكاديميون والساسة والأطباء والأساتذة الجامعيون والموسيقيون والباحثون المنتجون ممن تمكنوا من حصد براءات لأكثر من 350 اختراعاً. وفيما يبدو، فإن هؤلاء المميزين يحملون قدرات وراثية جعلتهم يحصلون على معدلات ذكاء عالية، غير أنها غير كافية إطلاقاً لتفسير تميزهم في إحراز الإنجازات في حياتهم، وهذا ما يفسره عدم قدرة بعض الأطفال الأذكياء من تحقيق شيء عندما كبروا، بل إن بعضهم عانى ظروفاً قاسية ووجدوا صعوبات حتى في كسب عيشهم!

للبيئة القرار الأخير في توجيه استثمار الذكاء وتحقيق العبقرية المُنجزة للمُنتَج الفارِق. والبيئة بمفهومها الشامل الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والأخلاقي والقيمي السليم، كلها توجه الأذكياء إلى العبقرية بسبب تأثيرها المباشر في مسيرة الإنسان. وهو ما يفسر حسب دراسة «تورمان» أن هناك من الأطفال ممن كان حاصل ذكائهم منخفضاً، تمكنوا من تحقيق فروقات في المستقبل وأصبحوا رواداً في مجالاتهم؛ وهنا يظهر الدور الفعلي للمثابرة والإصرار والبيئة التي يجيد بعضهم استثمارها، فيصبح شخصاً قادراً على تغيير العالم. ولذا عزيزي القارئ عليك الانتباه مستقبلاً، عندما يطرح بعضهم رأياً قد يبدو لك غير مألوف ولا يروق لك؛ لأنه وبطريقة تفاعلك معه ستكون مساهماً في خلق بيئة مناسبة لصاحب هذا الرأي بأن يصبح عبقرياً مميزاً.. أو يبقى كغيره رقماً في عداد المحيطين.